تُظهر المشاهدُ التي التُقطت من أعالي السماء ومن بين زحام الأرض، حشداً لم يكن مجرد تراكم للأرقام، بل كان انفجاراً للولاء الصادق. لم يبقَ مقعدٌ خاوٍ، ولم تخلُ زاويةٌ من طيف كشفيّ، حتى بدا الملعبُ كأنه ضاق بأهله، ففاض العشق إلى الشوارع والمداخل.
في كل لقطة، يظهر "بحرٌ" لا ساحل له من الوجوه التي لفحتها شمس الانتظار. شبابٌ، وأطفالٌ، وقادة، صهرتهم شمس بيروت، فغاب الفرد وذاب الجميع في كيانٍ واحد أطلق عليه التاريخ اسم "أجيال السيّد".
الحشود التي افترشت المدرجات واصطفت في الميدان بانتظامٍ مذهل، كانت ترسم لوحة صمتٍ بليغ قبل الصرخة، و زلزالاً مدوياً عند النداء. هي صورٌ تعكس الانضباط الذي يسكن الروح قبل الجسد، حيث الآلاف يتحركون كجسدٍ واحد، وتخفق قلوبهم كخفقة جناحٍ واحد.
كان الزحام زينة المكان. وجوهٌ باسمة رغم التعب، وعيونٌ تلمعُ ببريق التحدي، وأعلامٌ تخفقُ تلوح في الأفق، في مشهديةٍ بصرية تقول لكلّ من يرى: "هؤلاء هم ذخرُ الزمان، وهؤلاء هم الذين إذا ناديتهم، جاءوك سعياً قبل أن يرتدّ إليك طرفك".